علي اسمندر
الدائرة العربية للدراسات والبحوث الإستقصائية
.
.

اليهود في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام

اليهود في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام

 

من الثابت في التاريخ أن اليهود كانوا يرتادون التخوم العربية منذ أقدم العصور, وذلك بحكم معيشتهم البدوية التي كانت تتطلب التنقل الدائم بحثاً عن الماء و الكلأ, وكان العرب يحسنون معاملتهم عند نزولهم في مرابعهم, ويسمحون لهم بعبور تخومهم, رحمة بضعفهم, وقلة عددهم, وبفضل هذا الكرم العربي توطدت الصلات بين بعض سكان التخوم الشمالية من العرب و بين اليهود, وأصبح اليهود أحراراً في تنقلاتهم ضمن المناطق العربية, ونزحت قبائلهم من البلاد الشمالية حيث كان الآراميون يعتدون عليها, إلى التخوم العربية ومنها إلى صحراء سيناء وما بعدها من البلاد, وهكذا تجمع اليهود في التخوم المصرية, ومن ثم عادوا يغزون البلاد الفلسطينية, فما استتب لهم الأمر فيها جزئياً, عمدوا إلى التضييق على القبائل العربية التي كانت تقيم فيها, فقام الصرع بين اليهود والعرب في فلسطين ودام طويلاً و كان القتال بينهما سجالاً, وانتهى بعهد داوود بخضوع سعير و بعض العشائر العربية إلى النفوذ اليهودي مؤقتاً, ولما دارت الدوائر على اليهود وانهارت دويلتهم الهزيلة وتشتتوا في الأقطار المجاورة, التجأ قسم كبير منهم إلى القبائل العربية دون حرج وكأنهم ما تنكروا يوماً لها و ساموا إخوتها في القومية سوء العذاب, ولكن العرب تناسوا مواقف اليهود المخزية وإرهاق دماء عشرات الألوف من إخوتهم الذين قتلهم القاضي جدعون وسواه من اليهود, وعملوا حسب تقاليدهم العريقة التي تحضهم على مناصرة الملهوف, فقبلوهم في ضيافتهم وكأنهم أخلص الأصدقاء فأصبحت البلاد العربية من المناطق التي كان اليهود يعتبرونها ملاذاً لهم, يتوافدون عليها كلما مسهم الضر في مكان آخر, ( مثل هجرتهم إليها من فارس عندما اضطهدهم فيروز الفارسي ) وهكذا تكاثر عددهم في شبه الجزيرة العربية وخاصة في نجران واليمن, وبدلاً من أن يستكينوا و يبحثوا فيها عن الاستقرار, عمدوا إلى إثارة القلاقل في مناطقها, وبذر بذور الشقاق بين قبائلها, كما نشروا الخرافات و الأكاذيب بين أهلها و لم يحجموا عن دعوة أهلها لاعتناق المذهب اليهودي, بحجة أنهم والعرب من أصل واحد, أي أحفاد سام بن نوح, ( وهذا الزعم المأخوذ عن سفر التكوين يفتقر إلى الدليل والبرهان ويخالف نظريات علم الأجناس) وبغية ترسيخ جذور هذا الادعاء الباطل في أذهان العرب, زعموا أن العرب المستعربة تناسلوا من ثابت وقيدار حفيدي اسماعيل ويبدو أن العرب صدقوا هذا الزعم, فأخذ كتابهم أمثال ابن الأثير و أبي الفداء وابن خلدون يثبتونها في مؤلفاتهم وينسجون حولها القصص, وكأنها أمور ثابتة بالدليل البرهان أو مأخوذة من عن مصادر خطية قديمة, وفي الواقع لم يكن يملك أحدهم أي مصدر قديم يعتمد عليه أو برهان يقدمه, إلا ما ورد عن ذلك في سفر التكوين, وما تناقلته الألسن من القصص التي أشاعها اليهود, فلو كان لهذه المزاعم بعض الحظ من الصحة لكان من المفروض بالمصادر المصرية و الآشورية و الكلدانية أن تشير إليها ولو بإشارة ما, أما أن نثق بها لمجرد أنها وردت في التوراة, هذا المصدر اليهودي الذي أجمع النقاد على أنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد و من قبل مئات  الأقلام, فذلك يعني الانسياق الأعمى وراء سراب الأضاليل اليهودية والاستخفاف بنعم الله عز وجل التي وهبها لنا من الميزات الخيرة كالعقل و البصيرة والمنطق السليم, كما أن التدليل على وحدة المنحدر العرقي بين العرب واليهود لما بين لغتيهما من التشابه والتقارب باطل أصلاً, لأن أكثر المكتشفات الحديثة أثبتت أن لغة اليهود الأصلية كانت عبارة عن لهجة كلدانية صوتية, كما أجمع النقاد على أن اليهود تعلموا اللغة الكنعانية القريبة من العربية بعد أن تمركزوا في فلسطين, وهذا يعني صراحة انهيار نظرية المنحدر المشترك التي تورط فيها كتاب العرب, فلو جاز الأخذ بها لكان علينا أن نقول بأن الكلدانيين والآشوريين و الآراميين هم من نفس المنحدر أيضا, لما بين لغاتهم واللغة العربية من التشابه والتقارب, ولأنهم سكان المناطق الواقعة في شرق و جنوب أرمينيا التي زعم بعض المؤرخين بأنها منشأ السامية الأصيل, وإذا أخذنا بهذه النظرية في التحقيق عن القوميات حق لنا الادعاء بأن كل الشعوب التي قطنت في الشرق الأوسط قبل عهد موسي كانت أيضاً من المنحدر المشترك المبحوث عنه, وبالتالي ننتهي إلى النظرية العامة القائلة بانحدار البشرية جمعاء من أصل واحد, وفي هذه الحالة لا يحق لأحد البحث في القوميات, أن نستنتج من هذا أن الصلات العرقية المزعومة بين العرب و اليهود ليست بأوثق مما هي عليه بين العرب  و الآشور و الكلدان, وهي تعود لما قبل التاريخ, ونرى من ناحية ثانية اختلاف العادات والتقاليد بين العرب و اليهود, يشكل بحد ذاته عنصراً أساسياً في دحض نظرية المنحدر المشترك, هذا الخلاف الذي يؤكده التوراة بما ينسبه لأصحابه من العادات والتقاليد التي يندى لذكرها الجبين, والتي لا يمكن أن تلتقي مع ما عرف عن العرب من التمسك بالفضائل والمكارم عبر التاريخ.

وأخيراً ماورد في قصص التوراة عن إصرار أسلاف اليهود وخاصة إبراهيم بتزويج أبنائهم من بنات قومهم المشتركات اللواتي كن يسكن في بلاد الكلدان البعيدة بدلاً من تزويجهم من بنات العرب القاطنات بالقرب منهم و ما في ذلك من توفير للمال واجتناب للمشقة والأخطار, لهو وحده كاف لتكذيب بدعة وحدة المنحدر, لأنه كان من المفروض على إبراهيم الذي ولد عما 292 بعد الطوفان أن يكون عالماً بهذه الصلة العرقية, وأن لا يفرق بين بنات الكلدان, وبنات العرب المنحدرات ( على زعم التوراة ) من صلب قحطان شقيق جده الرابع ( الحفيد الثالث لسام, والذي عاش قبل قرن واحد من ميلاد إبراهيم  ) باعتبارهن جميعاً من صلب سام, فلو كان إبراهيم فعلاً يعتقد أن العرب هم من أحفاد قحطان لما فرق بين بناتهم وبنات الكلدان, و لكان وفر على قيم بيته مشقة السفر الطويل, وعلى ابنه تبذير المال الوفير لو سمح له بالاقتران بعربية, أما وأنه لم يفعل, فهذا يدل صراحة على أن اليهود كانوا لا يعترفون قبل ظهور التوراة بهذه الصلات ولا يعلمون بها ولم تكن في يوم موضوع بحث لديهم, إلا عندما أصبحت لهم فيها مآرب فابتدعوها لربط مصير العشائر العربية كآدوم وسعير و كالب بمصيرهم لأغراض سياسية, ومنها إرغام هذه العشائر العربية على التعاون معهم وإبقاؤها تحت سيطرتهم, بيد أن هذه العشائر العربية أحجمت عن الانسياق وراء هذه المزاعم, فظلت على مقاومة اليهود ودام النزاع بينهما حتى عهد الرومان ( المعارك بين آدوم وسعير من جهة واليهود من جهة أخرى ) ويظهر جلياً مما سبق عقم نظرية المنحدر المشترك , ولكن ما حيلتنا فالقضية أصبحت شبه مسلم بها لما مر عليها من الزمن الطويل وما أحاطها من التباس وغموض اعتقد أنه مفتعل ومقصود بغية التمويه عن الجرائم التي اقترفها اليهود في شبه الجزيرة بحق العرب و العروبة مثل جريمة تهويد الملك العربي ذو نوار و شعبه وتحريضه على محوا عرب نجران من الوجود وإرغامهم على اعتناق اليهودية والمذابح العربية التي أقدم عليها القاضي جدعون ومن تولى من أترابه القضاء في إسرائيل من بعده.

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home
.
.